محمد ملص السينمائي السوري مكرّماً في بيروت

نشر الأثنين 10/01/2011 11:52 , موقع بكرا

يكرّم "نادي لكل الناس"  اللبنانية، أحد رواد سينما المؤلف في سوريا وهو محمد ملص الذي تنطلق عروض أفلامه الليلة في "متروبوليس أمبير صوفيل". البرنامج الذي يشمل معظم أعماله التسجيليّة والروائيّة - مع مفاجأة خاصة يوم الختام - يحمل عنواناً معبّراً هو "سينما الزمن المفقود". الاستعارة البروستيّة تنطبق بامتياز على سينمائي ينصت إلى التفاصيل بعمق، ويتّخذ من الذاكرة، الفرديّة والجماعيّة، أساساً لتجربته الإبداعيّة.

تفتتح التظاهرة الليلة، بحضور محمد ملص، وبالتحية النادرة التي وجّهها هذا الأخير إلى المنشد الحلبي الراحل صبري مدلل في شريطه التسجيلي "حلب، مقامات المسرّة" (1997/ 52 د - الليلة، س 7:00). يستعيد الشريط حكاية معلّم الطرب الحلبي مع الأذكار والقدود والموشحات. لكن هل بقيت حلب عاصمة الطرب الأصيل؟ السؤال يطرح لدى مشاهدة فيلمه الروائي "باب المقام" (٢٠٠٥ - الليلة، س 8:30)، إذ تُقتل امرأة متزوجة في حلب على أيدي أشقائها بجريمة الشغف بأغاني أم كلثوم، وإذا بأغنية "شمس الأصيل" مثلاً شبهة أخلاقية. ينفتح المشهد الأول على صورة بانورامية لحلب وقلعتها في الليل، لتتكشف عن شعارات متناقضة وبرامج انتخابية مزيفة، وعالم سفلي يرزح تحت عبء التخلف الاجتماعي.

تبرز صورة العم (رياض ورداني) وأبنائه، وهم يديرون مجموعة مطاعم، بينها مطعم لشيّ الدجاج. "الدجاج" يحيل إلى مصير إيمان المعلن منذ الثلث الأول للشريط: ستنتهي ذبحاً على يد شقيقها الجامعي، وبطلقة رصاصة من مسدس عمها، ورصاصة ثانية تحطم جهاز التسجيل بوصفه أحد أسباب ضلالها.

ويبدو تجوال الكاميرا في شوارع حلب بعيداً من عمارتها الأصيلة، بمثابة استكمال لأسباب الإدانة، والمشاركة الجماعية في الجريمة، وتخلّيها عن دورها القديم في إعلاء شأن السماع والطرب لمصلحة التطرف والعنف الأعمى، في تحالف معلن بين الاستبداد السياسي وسطوة التيار الديني المتشدد.

لاحقاً، سيعود ملص إلى توجيه تحية أخرى إلى أحد رواد السينما السورية، وهو نزيه شهبندر، في "نور وظلال"، الشريط الذي حقّقه مع زميليه ومواطنيه عمر أميرلاي وأسامة محمد (1995/ 52 د - 11/ 1، س 7:00). يروي الشهبندر مكابداته في صناعة فيلم روائي خلال الثلاثينيات. وبعد عقود سيعيش ملص محنة مشابهة، خلال إنجازه ثاني أفلامه الروائيّة "الليل" (1992 - 11 /1، س 8:30)، وسيتوقف الطفل في الشريط أمام "سينما الدنيا" في القنيطرة، ويشهد ذهاب والده متطوعاً في جيش الإنقاذ في فلسطين، وصولاً إلى حقبة الانقلابات العسكرية التي أطاحت الاستقرار في سوريا بعد الاستقلال.

وكان السينمائي قد غرف من ذاكرته الطفوليّة أحداث باكورته الروائيّة "أحلام المدينة" (1984 - 12/ 1، س 8:30)، وتطلّعه إلى الوحدة بين سوريا ومصر، في سرد بصري خلّاق يجمع بين الذاكرة المشتهاة، والاستعادة الشاعرية للزمن الموؤود.

الشاعرية التي تسم أفلام محمد ملص تنطوي على عنفٍ معلن يطاول مصائر شخصياته. الأب في "الليل"، يستشهد في فلسطين، وتعاني الأم في "أحلام المدينة" من سطوة الجد. ويقترب المخرج أكثر من مفردة العنف في شريطه الروائي القصير "فوق الرمل تحت الشمس" (1998/ 32 د - 13/ 1، س 7:00) الذي يعالج أحوال المعتقل السياسي، وكيفية التنكيل بالجسد والأحلام.

محمد ملص في المآل الأخير هو سينمائي الفقدان، وصيّاد الذاكرة المشتهاة الذي لم يتوقف عن "الانتقام من الهمجية التي تمحو الذاكرة" بتعبيره. هكذا سيذهب إلى مخيمات الفلسطينيين في لبنان لتسجيل مناماتهم في "المنام" (12/2 - س:7:00)، وسيلتقي أحلاماً متشابهة في العودة إلى الأرض الأم. منامات الفلسطيني تتجوّل في قرى دمّرها الاحتلال الإسرائيلي، وبيوت لم تعد موجودة، لكنها لم تغادر ذاكرة أصحابها لحظةً واحدة. لعل الأحلام هي الخزّان الاحتياطي لمخيلة هذا المخرج الاستثنائي، أو المادة الخام التي ينهل منها تذكاراته ومشاهده وسرده المحتدم، في إعادة بناء مدنه المفقودة.

لنتذكر أنّ ملص كان أول واضعي أساسات "سينما المؤلف" في السينما السورية. أحدث فيلمه الروائي الأول "أحلام المدينة (1984 - جائزة "التانيت الذهبي" في "أيّام قرطاج السينمائيّة")، منعطفاً حاسماً في الخيارات اللاحقة لمعظم المخرجين السوريين. وقد صُنّفَ هذا الشريط بين أفضل عشرة أفلام في تاريخ السينما العربية.

مسك الختام في تظاهرة "محمّد ملص - سينما الزمن المفقود"، سيكون مع "المهد" (13 /1 - س 8:30). إنّه آخر فيلم روائي حمل توقيعه، ويشاهده الجمهور في عرضه العالمي الأوّل. لا شك في أن هذا الشريط المختلف في مساره ومقترحاته المشهدية، سيمثّل لحظة مهمّة لهواة السينما ومتابعي أعمال ملص. فيه يتناول حقبة من تاريخ العرب قبل الإسلام، وأوضاع القبائل العربية المتناحرة. فهل هي قراءة مجازية للمشهد الراهن في العالم العربي؟

أضف تعليق

التعليقات